العقيدة
علامات الساعة الكبرى
العلامات العشر التي تتابع قبل قيام الساعة
علامات الساعة الكبرى هي العلامات العظيمة التي إذا ظهرت تتابعت بعدها قيام الساعة في وقت قريب، وقد جاء ذكرها في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه عند مسلم، إذ اطلع علينا النبي ﷺ ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟»، قلنا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات»، فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.
وهذه العلامات قد اتفق العلماء على أن أولها ظهوراً هو خروج المسيح الدجال، ثم نزول عيسى ابن مريم لقتله، ثم خروج يأجوج ومأجوج، وأن آخرها هو النار التي تخرج من اليمن. أما ما بين ذلك فقد اختلفوا في ترتيبه على أقوال، والمختار أن طلوع الشمس من مغربها يكون متأخراً جداً، يقارب قيام الساعة. والإيمان بهذه العلامات واجب لأنها من الإيمان بالغيب الذي أخبر به الصادق المصدوق ﷺ، وقد جاءت بها نصوص قطعية في القرآن والسنة الصحيحة.
1
خروج المسيح الدجال
أعظم فتنة منذ خلق آدم إلى قيام الساعة
خروج المسيح الدجال هو أول العلامات الكبرى ظهوراً وأعظم فتنة يواجهها بنو آدم منذ خلقهم، حذّر منها الأنبياء أممهم، وأمر النبي ﷺ بالاستعاذة منها في كل صلاة.
المسيح الدجال رجل من بني آدم، يخرج في آخر الزمان فيدّعي الربوبية، ويفتن الناس بما يُجريه الله على يديه من خوارق العادات ابتلاءً واختباراً. وسُمّي «المسيح» لأنه ممسوح العين اليمنى، وقيل لأنه يمسح الأرض في أربعين يوماً، وسُمّي «الدجال» من الدجل وهو التلبيس والخلط بين الحق والباطل.
وصفه النبي ﷺ وصفاً دقيقاً حتى يحذر منه أمته، فقال ﷺ: «إنه أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية»، وفي رواية: «عينه اليسرى عليها ظَفَرة غليظة»، وأنه شاب جعد قطط، أحمر، مكتوب بين عينيه «ك ف ر» يقرؤها كل مؤمن كاتب وغير كاتب. ويخرج من خلة بين الشام والعراق من ناحية أصبهان.
يمكث الدجال في الأرض أربعين يوماً، يوم منها كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، فلما سُئل النبي ﷺ عن اليوم الذي كسنة: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره». ومعه فتنتان عظيمتان: جنة فيها ما يُشتهى من الطعام والشراب فمن دخلها فلا يدخل الجنة، ونار فيها العذاب فمن دخلها دخل الجنة.
يُجري الله على يديه من الآيات ما تذهل بها العقول: يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، ويتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ويقتل الرجل ثم يحييه، ويأتي القوم فيؤمنون به فيمطرون ويُرزقون، ويأتي القوم الآخرين فيكذبونه فتُحبس عنهم السماء والأرض. وكل ذلك ابتلاء من الله، وقد قال النبي ﷺ: «هو أهون على الله من ذلك».
منطلقاً من أصبهان، يطوف الأرض كلها إلا مكة والمدينة، فإن على كل نقب من أنقابها ملائكة يحرسونها، فلا يدخلها لا الدجال ولا الطاعون. فإذا أتى الدجال إلى المدينة رجفت بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة. ثم يأتي بيت المقدس فيحاصر المؤمنين فيه، ويُنزل الله عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيلحقه عيسى بباب لُد بأرض فلسطين فيقتله.
وقد عظّم النبي ﷺ شأن هذه الفتنة حتى أمر بالاستعاذة منها في كل صلاة، فقال: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع... ومن شر فتنة المسيح الدجال». وأوصى من أدرك زمانه أن يفر منه ما استطاع، وأن من سمع به فليبتعد، فإن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث معه من الشبهات. ومن العصمة منه: حفظ أول سورة الكهف (وفي رواية: آخرها)، فقال النبي ﷺ: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال».
أقوال أهل العلم
اتفق أهل السنة والجماعة على أن المسيح الدجال شخص بعينه من بني آدم، يخرج في آخر الزمان، خروجه حق وفتنته حق، وأن من أنكره أو تأوّل خروجه بأنه رمز للشر العام فقد خالف ما تواترت به الأخبار. قال ابن كثير رحمه الله في النهاية: «أحاديث الدجال متواترة عن النبي ﷺ تواتراً معنوياً، ومجموعها يفيد القطع بظهوره وأنه يفتن من يفتن من الخلق». وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن من الفرق من أنكر خروج الدجال كالخوارج وبعض المعتزلة، وهو قول مردود مخالف لإجماع الأمة.
أما زمن خروجه، فقد اختلف العلماء فيه ولا يُجزم بسنة بعينها، لكن الأحاديث دلت على أنه يخرج بعد تتابع فتن وتراخي ذكره عن الناس. قال ابن حجر في الفتح: «كأن الزمان الذي قبل خروجه يكون مهيأ لخروجه بقلة الإيمان وانتشار الفتن».
الأدلة
«ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال»
نص صريح في عِظَم فتنته
«ما بُعث نبيٌّ إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب: كافر»
بيان أن إنذار الأمم منه كان دأب الأنبياء جميعاً
«من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات»
تحذير من الاقتراب منه ولو بدافع الفضول
«من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال»
العصمة المخصوصة من فتنته
2
نزول عيسى ابن مريم عليه السلام
ينزل حكماً عدلاً يقتل الدجال ويحكم بشريعة محمد ﷺ
نزول عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيحكم بشريعة محمد ﷺ، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد.
عيسى ابن مريم عليه السلام رفعه الله إلى السماء حياً ولم يُقتل ولم يُصلب، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. ونزوله في آخر الزمان من علامات الساعة الكبرى الثابتة بالقرآن والسنة المتواترة.
أما القرآن فقد قال تعالى في شأنه: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي أن نزوله من علامات قرب الساعة. وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، فُسّر بأن أهل الكتاب جميعاً سيؤمنون بعيسى عليه السلام عند نزوله قبل موته الذي يكون بعد النزول.
صفته كما وصفه النبي ﷺ: رجل ربعة (متوسط القامة)، أحمر إلى البياض، شعره إلى أنصاف أذنيه كأنه خرج من ديماس (يعني حماماً)، يقطر شعره ماءً وإن لم يصبه بلل. ينزل بين مهرودتين (ثوبين مصبوغين بصفرة)، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، عند المنارة البيضاء شرقي دمشق.
أول أعماله عليه السلام أن يأتي المؤمنين وهم محاصَرون في بيت المقدس، فإذا حانت صلاة الفجر تقدّم إمام المؤمنين (وهو الإمام المهدي عند جمهور أهل السنة) ليصلي بهم، فيرى المسيح فيتأخر، فيقدّمه عيسى عليه السلام ويقول: «تقدّم، فإن الإقامة لك، فيصلي بهم رجل منهم». فيصلي خلف المهدي، فيكون في ذلك تأكيد على بقاء شريعة محمد ﷺ وأن الأنبياء لا يأتون بعده بشريعة جديدة.
ثم يخرج إلى الدجال فيدركه بباب لُد (مدينة فلسطينية معروفة قرب يافا والقدس)، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، فيقتله عيسى عليه السلام برمحه. وتنطلق طوائف من اليهود الذين اتبعوا الدجال هاربين، فينطق الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.
ثم يحكم عيسى عليه السلام بشريعة محمد ﷺ، فيكسر الصليب (إبطالاً لعقيدة التثليث والصلب)، ويقتل الخنزير (إبطالاً لإباحتها عند أهل الكتاب)، ويضع الجزية (لأنه لا يقبل من أهل الكتاب إلا الإسلام في ذلك الزمان). وتكون الأرض في عهده أكثر بركة من أي زمن سبق، حتى تُلقي الأرض ثمراتها كأمثال الزقاق، وتعود كما كانت في زمن آدم. ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وتزول الأحقاد والعداوات، ويأمن السبع مع الغنم، ويُلقي الذئب الحملَ فلا يأكله.
يمكث عيسى عليه السلام في الأرض بعد نزوله سبع سنين، وفي رواية أربعين سنة (والجمع بينهما أن السبع من نزوله، والأربعين تشمل ما قبل رفعه من عمره)، ثم يتوفاه الله فيُصلي عليه المسلمون ويُدفن.
أقوال أهل العلم
نزول عيسى ابن مريم عليه السلام مما تواترت به الأحاديث، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «نزول المسيح في آخر الزمان متواتر تواتراً قطعياً عند أهل العلم، فمن جحده فقد جحد ما علم من الدين بالضرورة». وقد ساق ابن كثير في تفسيره وفي النهاية أحاديث النزول من عشرات الصحابة، وألّف العلماء فيها مصنفات مفردة.
ويفيد نزوله عدة معانٍ: تكذيب اليهود الذين زعموا قتله، وتكذيب النصارى الذين ادّعوا ألوهيته، وإقامة شريعة محمد ﷺ بعدلها التام، وإظهار أن خاتم الأنبياء هو محمد ﷺ لأن عيسى عليه السلام إذا نزل لم يأتِ بشريعة جديدة بل تابعاً لشريعة محمد ﷺ. أما القول بأن «النزول» يعني نزولاً معنوياً أو رمزاً للمسيح المنتظر فيهم، فقول مخترع لا أصل له في كلام السلف، ومخالف لما تواترت به الأحاديث الصحيحة في وصفه ووصف نزوله وأعماله.
الأدلة
«﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ... بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾»
إثبات رفعه حياً، وهو الأصل في القول بنزوله آخر الزمان
«﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾»
فُسّر «إنه» في الأحاديث بأنه عيسى عليه السلام، ونزوله علم على قرب الساعة
«ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين... ثم يطلبه حتى يدركه بباب لُد فيقتله»
حديث النواس بن سمعان، أصل في تفاصيل النزول وقتل الدجال
«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟»
نص على أنه يصلي خلف إمام المسلمين، تأكيداً على بقاء شريعة محمد ﷺ
«والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد»
3
خروج يأجوج ومأجوج
أمتان عظيمتان يخرجان من السد فيعيثان في الأرض فساداً
يأجوج ومأجوج أمتان عظيمتان من بني آدم محبوستان وراء السد الذي بناه ذو القرنين، فإذا أذن الله بخروجهم في آخر الزمان انتشروا في الأرض كالجراد، وأهلكوا كل ما مرّوا به، ثم يُهلكهم الله بدعوة عيسى ابن مريم عليه السلام.
يأجوج ومأجوج خلقٌ من بني آدم، من ذرية يافث بن نوح عليه السلام عند جمهور المفسرين. وقد ذكرهم الله في القرآن في موضعين: في سورة الكهف في قصة ذي القرنين، وفي سورة الأنبياء في سياق علامات الساعة.
أما في سورة الكهف، فقد بنى ذو القرنين السد بأمر الله بينهم وبين الناس بطلب من القوم الذين كان يأجوج ومأجوج يفسدون في أرضهم، فقالوا: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. فأمر ذو القرنين بإحضار زبر الحديد وأذاب عليها النحاس فبنى سداً عظيماً، وقال: ﴿هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ، وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
وفي حديث النبي ﷺ بيان لحال السد قبل الخروج، فإن يأجوج ومأجوج يحفرون فيه كل يوم حتى إذا كادوا يفرغون قال قائلهم: «ارجعوا فستحفرونه غداً»، فيعودون فيجدونه كما تركوه، حتى إذا أراد الله إخراجهم قال قائلهم: «ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله»، فيستثنون فيعودون فيجدونه كما تركوه، ثم يفتحونه.
يخرج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ابن مريم عليه السلام بعد قتله الدجال، فيقولون له: «احرز عبادي إلى الطور»، أي اجمعهم في جبل الطور. فيخرجون من كل حدب ينسلون، يمرون ببحيرة طبرية فيشربون ما فيها حتى يمر آخرهم فيقول: «لقد كان بهذه مرة ماء»، ثم يصلون إلى بيت المقدس فيقولون: «قتلنا من في الأرض، فهلموا نقتل من في السماء»، فيرمون بنشابهم إلى السماء فترجع نشابهم مخضوبة دماً (ابتلاءً واختباراً).
ويُحصر النبي عيسى ابن مريم وأصحابه في الجبل، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدنا اليوم. فيرغب عيسى ابن مريم وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم النَّغَف في رقابهم، وهو دود يخرج في الأنف ويتسلل إلى الدماغ فيُهلكهم في ليلة واحدة، فيصبحون فرسى (موتى)، فلا يُسمع لهم حِسٌّ ولا رِكز.
ثم يهبط عيسى ابن مريم وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا وقد ملأته جيف يأجوج ومأجوج بنتنها، فيرغبون إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت (الإبل العظام) فتحملهم فتطرحهم في البحر. ثم يرسل الله مطراً لا يكِنّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَفَة (المرآة الصافية).
ثم يقال للأرض: «أنبتي ثمرتك وردّي بركتك»، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها (قشرها)، ويُبارَك في الرسل (اللبن) حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام (الجماعة الكبيرة) من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ (البطن).
أقوال أهل العلم
يأجوج ومأجوج خلقٌ موجود حقيقي، وليسوا رمزاً ولا مجازاً، وعلى ذلك إجماع أهل السنة. قال ابن كثير في النهاية: «وكونهم من ذرية آدم، ومن ذرية نوح من ولد يافث، أمر مجمع عليه عند أهل الكتاب وأهل النقل». وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أُرسلوا إلى الناس لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً»، وفي الحديث المتفق عليه ذكر أن الله يقول لآدم يوم القيامة: «أخرج بعث النار، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين»، فعجب الصحابة من ذلك، فقال النبي ﷺ: «أبشروا، فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألفاً».
أما السد فقد اختلف العلماء في مكانه على أقوال، والذي عليه المحققون أنه في جهة الشمال، في الجبال الواقعة بين أرض الترك وما يجاورها، ولا يُجزم بمكان معين منها. وأما من فسّر السد بسور الصين العظيم، فهو قول مردود، فإن السور الصيني مكشوف معروف، والسد المذكور في القرآن لا يستطيع يأجوج ومأجوج أن ينقبوه ولا يظهروه، وإنما يأذن الله بخروجهم في الوقت المقدر.
الأدلة
«﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ...﴾»
أصل قصة السد وبنائه
«﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾»
إثبات أن خروجهم من أمارات قرب الساعة
«وذكر النبي ﷺ خروج يأجوج ومأجوج بعد نزول عيسى وقتله الدجال، وحصار المؤمنين على الطور، وإهلاكهم بالنَّغَف»
حديث النواس بن سمعان، أصل في تفاصيل خروجهم
«ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وعقد سفيان تسعين أو مائة»
بعض الأحاديث تشير إلى بدء فتح يسير في السد
4
الخسوف الثلاثة
خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب
ثلاثة خسوف عظيمة تقع في آخر الزمان، يأخذ الله بها الأرض في ثلاثة مواضع: في المشرق، وفي المغرب، وفي جزيرة العرب، عقوبة لمن استحق العقوبة وآية على قرب الساعة.
الخسف هو أن تذهب الأرض بمن عليها أو تنقلب فيهلك أهلها، كما قال الله عن قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾. وقد أخبر النبي ﷺ أن من علامات الساعة الكبرى ثلاثة خسوف عظيمة:
الأول: خسف بالمشرق. والثاني: خسف بالمغرب. والثالث: خسف بجزيرة العرب.
وقد جاءت هذه العلامة في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري عند مسلم، إذ ذكر النبي ﷺ العشر آيات قبل الساعة فعدّ منها: «وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب». وهذه الخسوف من الأمور التي لم يُفصِّل النبي ﷺ في كيفيتها وأماكنها على وجه التحديد، فلا يجوز للمسلم أن يتكلف ذلك، بل الإيمان بها كما وردت دون تكييف ولا تأويل.
وقد يكون هذا الخسف عقوبة لطائفة من الناس، كما خُسف بقارون عقوبة على بغيه، وكما خُسف بأهل القرى التي ذُكرت في القرآن. وقد يكون آية كونية تتقدم بين يدي الساعة لتنذر الناس وتدعوهم للاعتبار. والله سبحانه أعلم بسر هذه الخسوف وحكمتها.
وقد ذكر بعض العلماء أن هذه الخسوف قد تُشاهد قبل وقوع الفتنة الكبرى من الدجال أو معها، أو تكون في زمن نزول عيسى عليه السلام، أو بعده. والأظهر أنها مع تتابع العلامات الكبرى، إذ إن المؤكد أن آخرها هو النار التي تخرج من اليمن، وأنه إذا ظهرت العلامات بدأت تتابع كحبات السبحة إذا انقطع سلكها.
وكون هذه الخسوف من علامات الساعة لا يعني أن كل زلزال أو هدّة طبيعية اليوم هي منها، فإن النبي ﷺ ذكر أن من علامات الساعة كثرة الزلازل، وهذه من العلامات الصغرى لا الكبرى. أما الخسوف الثلاثة المذكورة فهي خاصة بثلاث جهات محددة (المشرق والمغرب وجزيرة العرب)، وفيها من الشدة والاتساع ما يميزها عن سائر الزلازل، ولذلك عُدّت من العلامات الكبرى لا الصغرى.
ومما ينبغي التنبه إليه أن العلامات الكبرى لا تأتي إلا في زمن انتشار الفتن وقلة الإيمان، وأن المؤمن في ذلك الوقت يحتاج إلى صبر وثبات على الحق، إذ تتلاحق العلامات وتزداد الفتن ويعظم البلاء. قال النبي ﷺ: «بادروا بالأعمال ست: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدابة، وخاصة أحدكم، وأمر العامة»، أي بادروا بالأعمال الصالحة قبل هذه العلامات، لأنها تأتي بشدة وفتنة.
أقوال أهل العلم
اختلف العلماء في تحديد مواضع هذه الخسوف على وجه القطع، ولا دليل قاطع على موضع بعينه. قال ابن كثير في النهاية: «هذه الخسوف الثلاث لم يأتِ تحديدها في مواضع بعينها، فينبغي الإمساك عن التحكم في ذلك، والاكتفاء بما ثبت من النصوص». وحاول بعض المعاصرين تفسيرها بالزلازل الكبرى التي وقعت في القرون الأخيرة، وهذا تكلف لا يصح، لأن الخسف غير الزلزال، وعلامات الساعة الكبرى ليست من الأمور التي يُتعرف عليها بالاستنباط بل بالخبر الصادق عن النبي ﷺ.
والواجب على المسلم في مثل هذه الأمور الغيبية: الإيمان بها كما جاءت، وعدم الخوض في تفصيلها بما لم يأتِ به دليل، فإن الإيمان بالغيب أصل من أصول الإيمان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
الأدلة
«إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم»
حديث حذيفة بن أسيد، أصل في عد العلامات الكبرى العشر
«﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾»
نموذج من خسف عاقب الله به البغاة، يُستأنس به في إثبات قدرة الله على الخسف
«لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان...»
رواية أخرى موافقة لرواية مسلم
5
الدخان
دخان عظيم يأخذ بأنفاس الناس ويُسمعهم
الدخان من علامات الساعة الكبرى التي ذكرها الله في القرآن وذكرها النبي ﷺ في حديث العشر آيات. وهو دخان عظيم يظهر في الأرض ويأخذ بأنفاس الناس، ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، ويبلغ من الكافر مأخذاً عظيماً.
ذُكر الدخان في القرآن الكريم في سورة الدخان، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ، هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾. وقد اختلف السلف في تفسير هذه الآيات على قولين مشهورين:
القول الأول: أنه دخان كان وقع في زمن النبي ﷺ بسبب الجدب الذي أصاب قريشاً بدعوة النبي ﷺ عليهم، فكانوا يرون السماء كأنها دخان من شدة الجوع، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه. والقول الثاني: أنه دخان حقيقي يكون في آخر الزمان من علامات الساعة الكبرى، وهذا قول جمهور الصحابة كعلي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم، ورجحه أكثر المفسرين. ويُجمع بينهما بأن دخان قريش كان نوعاً من الإنذار، والدخان الموعود به في آخر الزمان دخان آخر أعظم.
أما صفة الدخان في آخر الزمان، فقد ذكر النبي ﷺ أنه يأخذ بأنفاس الناس، فيكون بمنزلة الزكام للمؤمنين، وأما الكافر فيخرج من كل مكان منه (أذنيه وعينيه وأنفه ودبره)، فلا يقدر على الإطباق على أنفه. ويملأ الأرض كلها، فلا يخلو منه موضع.
ويمكث الدخان في الأرض أربعين يوماً، فيلجأ الناس إلى الدعاء والتضرع كما قال الله عنهم: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ثم يخفف الله عنهم العذاب، قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا، إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾.
وقد ربط النبي ﷺ بين الدخان وبقية العلامات الكبرى في حديث حذيفة بن أسيد، حيث جعله من العشر، وفي رواية: «إن أول الآيات خروجاً: طلوع الشمس من مغربها، أو خروج الدابة على الناس ضحى، فأيتهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً»، فدل ذلك على أن العلامات تتسارع بعضها إثر بعض، وأن الدخان من جملة هذه التتابعات.
ويُستفاد من قصة الدخان أن العلامات لها وظيفتان عظيمتان: الإنذار للناس قبل قيام الساعة ليرجعوا إلى ربهم، والامتحان للمؤمنين على ثباتهم في الفتن. فالدخان نذير شديد، والمؤمن يتلقاه بالصبر والدعاء، والكافر يهلك بسببه أو يُؤذى به أذى عظيماً ابتلاءً وعقوبة.
أقوال أهل العلم
اختلف العلماء في الدخان: هل هو الذي أصاب قريشاً، أم دخان آخر يكون في آخر الزمان، أم هما دخانان كلاهما حق. والصحيح أن دخان قريش قد مضى، وأما الدخان المذكور في علامات الساعة فهو غيره، يأتي في آخر الزمان قبيل قيام الساعة. وعلى هذا جمهور المفسرين، ورجحه ابن كثير في تفسيره فقال: «والصحيح أن الدخان المذكور في حديث ابن مسعود قد مضى، وأن الذي وعد الله به كائن قبل الساعة».
وقد فسّر بعض المعاصرين الدخان بالتلوث الصناعي أو السحب الذرية، وهذا تفسير مخترع لا أصل له، ومخالف لما وصف به النبي ﷺ الدخان من كونه يصيب جميع الأرض في زمن متأخر بعد ظهور علامات أخرى متقدمة. والواجب الإيمان بالدخان كما جاء، دون أن نتكلف تكييفه بظواهر العصر.
الأدلة
«﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ، هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾»
نص قرآني صريح في الدخان الذي يأتي في آخر الزمان
«إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات... والدخان»
عدّ الدخان من العشر الكبرى
«قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الدخان لم يمضِ بعد، يأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، ويُنفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه»»
أثر صحيح عن ابن عباس في صفة الدخان الموعود
6
طلوع الشمس من مغربها
إغلاق باب التوبة على الناس
طلوع الشمس من مغربها من أعظم آيات الساعة وأقربها إلى قيامها. وفي هذا اليوم يُغلق باب التوبة على جميع الناس، فلا تُقبل توبة من لم يكن قد آمن قبل ذلك، أو لم يكسب في إيمانه خيراً.
طلوع الشمس من مغربها آية كونية عظيمة تخالف الناموس الذي جرت عليه الشمس منذ خلق الله السماوات والأرض، فالشمس مذ خلقها الله تطلع من المشرق وتغرب من المغرب، فإذا طلعت في يومٍ من المغرب كان ذلك آية على قرب الساعة، وعلى أن السنن الكونية قد تتغير بأمر الله.
وقد جاء ذكر هذه الآية في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ، لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، فُسّر «بعض آيات ربك» في الحديث الصحيح بطلوع الشمس من مغربها. ومعنى الآية: أن من لم يكن قد آمن قبل تلك الآية الكبرى، فإيمانه يومئذ لا ينفعه، وكذلك من كان مؤمناً ولم يعمل خيراً في إيمانه فإن توبته يومئذ لا تُقبل، لأن باب التوبة قد أُغلق.
وقد بيّن النبي ﷺ هذا المعنى في قوله: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». وفي الحديث الآخر: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه»، وذلك دليل على أن طلوع الشمس من مغربها هو الفاصل بين زمن قبول التوبة وزمن إغلاق بابها.
ويُؤيد ذلك ما ورد في الحديث الذي رواه أبو هريرة وأبو ذر رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ سأل أبا ذر: «أتدري أين تذهب هذه؟»، أي الشمس، فقال: الله ورسوله أعلم. قال: «إنها تذهب فتسجد تحت العرش، فتستأذن، فيُؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يُؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها». وهذا بيان من النبي ﷺ لكيفية طلوعها من المغرب.
أما زمن طلوعها فمن أواخر العلامات الكبرى، إذ يكون قريباً من قيام الساعة. وقد جمع بعض العلماء بين الأحاديث في تحديد أول العلامات بأن خروج الدجال أولها المتعلقة بالأرض، وطلوع الشمس من المغرب أولها المتعلقة بالسماء، ثم إن العلامات تتسارع بعد ذلك حتى تتعاقب كحبات سلك انقطع.
ويوم تطلع الشمس من مغربها يكون يوماً عظيماً تستيقظ فيه البشرية على هذه الآية الكونية الفاصلة، فيعلم كل من له قلب أن الأمر قد جدّ، وأن الساعة قد دنت. ويتحقق فيه قول الله تعالى في وصف الكفار في ذلك اليوم: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا، سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾.
وفي هذا تنبيه عظيم لكل مسلم: أن باب التوبة مفتوح ما دامت الشمس تطلع من مشرقها، فإذا طلعت من مغربها أُغلق الباب، فلا ينبغي للعبد أن يسوّف بتوبته وتأخير عمله، فإن أحداً لا يعلم متى تطلع الشمس من مغربها، ومتى يأتيه أجله الخاص، وكلاهما باب لإغلاق التوبة عليه.
أقوال أهل العلم
اتفق أهل السنة على أن طلوع الشمس من مغربها آية حقيقية كونية، وليس رمزاً ولا مجازاً، وأن من أنكرها فقد أنكر ما تواترت به النصوص. قال ابن حجر في الفتح: «طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة العظمى المتفق عليها بين أهل السنة، وهو ثابت بالنصوص الصحيحة من غير وجه».
أما الحكمة من إغلاق باب التوبة عند طلوعها فهي أن الإيمان الذي يقع عند مشاهدة آية كونية اضطرارية لا يكون إيماناً اختيارياً يستحق صاحبه عليه الجزاء، لأنه إيمان قُدّم بالاضطرار، كإيمان فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. فالعبرة بالإيمان قبل مشاهدة الآيات الاضطرارية.
الأدلة
«﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ، لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾»
فسّرها النبي ﷺ بطلوع الشمس من مغربها
«لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل»
من حديث أبي هريرة، نص في تفسير الآية بهذه العلامة
«أتدري أين تذهب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنها تذهب فتسجد تحت العرش، فتستأذن فيُؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يُؤذن لها، يُقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها»
حديث أبي ذر في بيان كيفية طلوعها من المغرب
«من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه»
تأكيد على غلق باب التوبة بهذه الآية
7
خروج الدابة
تكلم الناس وتميز بين المؤمن والكافر
دابة من الأرض تخرج في آخر الزمان فتكلم الناس وتسمهم، فتطبع المؤمن على وجهه بنور، وتطبع الكافر على وجهه بسواد، حتى يُعرف المؤمن من الكافر في أسواق الناس.
الدابة آية من آيات الله ذكرها في القرآن وذكرها النبي ﷺ في حديث العشر آيات. قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ، أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.
اختلف العلماء في وصفها وفي مكان خروجها على أقوال متعددة، وأكثر ما ورد فيها روايات إسرائيلية لا يُعتمد عليها، فالأَولى الوقوف عند ما جاء من النصوص الصحيحة دون تكلف. وقد ورد في بعض الأحاديث أنها تخرج من شِعب من جبل ثلاث خرجات: تخرج بأقصى البادية فيتحدث بها الناس، ثم تستقر زماناً، ثم تخرج خروجة أخرى دون ذلك فيتحدث بها أهل الأمصار، ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة (الحرم المكي) إذ ارتفعت بهم الأرض فيقعون يهربون، فلا يفلت أحد، حتى أن الجماعة يكونون يصلون فيقول قائل: قد كان في هذه مدة كذا، فيخرج عليهم منها فتجلو وجوههم حتى تجعلها كأنها الكواكب الدرية.
أما وظيفتها التي خُلقت لها فهي أن تكلم الناس، فتُخبرهم بأن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، ثم تسم الناس بسمات تميز المؤمن من الكافر. ففي الحديث أنها تجمع بين كونها معها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى يجتمع أهل الخوان فيقال: يا مؤمن، ويا كافر. وفي رواية أن المؤمن يعرف بنور في وجهه، والكافر بسواد في وجهه.
ويُلاحظ أن خروج الدابة يقترن في الذكر بطلوع الشمس من مغربها، ففي الحديث: «إن أول الآيات خروجاً: طلوع الشمس من مغربها، أو خروج الدابة على الناس ضحى، فأيتهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً». ودلّ ذلك على أن خروجها يكون بعد إغلاق باب التوبة، فلا تخرج إلا والحال أن المؤمن قد تميز عن الكافر، فما تأتي إلا لتُجلي تلك الحقيقة وتُظهرها للعيان.
وقد قال بعض العلماء: إن الدابة كائن واحد فيها من خصائص الأنعام ومن خصائص البشر (الكلام)، وهي آية خارقة للعادة تظهر في آخر الزمان لتقطع كل عذر للكافر. وقال بعضهم: إنها تخرج بمكة، وقيل بل بنواحي الطائف، وقيل بأرض اليمن، والله أعلم بحقيقة موضعها.
مما لا يُغفل عنه في هذا الباب: أن خروج الدابة من علامات الساعة المتأخرة جداً، فإن النبي ﷺ قرنها بطلوع الشمس من مغربها، وقال: «بادروا بالأعمال ستاً»، فعدّ منها الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها. فمن أدرك زمنها فقد قاربت الساعة قياماً، فعلى المسلم أن يبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يدرك ذلك الزمن الذي يتميز فيه المؤمن من الكافر بأمر الله المبين.
أقوال أهل العلم
أكثر ما يروى في وصف الدابة من رأسها وعنقها وحوافرها روايات لا تثبت، وكثير منها من الإسرائيليات التي دخلت كتب التفسير. والصحيح أن نقتصر على ما جاء في القرآن وما ثبت من الحديث: أنها تخرج، وأنها تكلم الناس، وأنها تسم المؤمن والكافر بسمات تميزهم. قال ابن كثير في النهاية: «أحاديث الدابة وإن كانت كثيرة، إلا أن أكثرها فيه ضعف أو نكارة، والمتفق عليه منها قليل».
وقد ذهب بعض المعاصرين إلى أن «الدابة» هي رمز لا حقيقة، وهو قول لا يصح، لأن لفظ القرآن صريح: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، والأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز إلا بقرينة. ولا قرينة هنا تصرف اللفظ عن ظاهره.
الأدلة
«﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ، أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾»
نص قرآني صريح في خروج الدابة وكلامها
«إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات... والدابة»
عد الدابة من العشر الكبرى
«إن أول الآيات خروجاً: طلوع الشمس من مغربها، أو خروج الدابة على الناس ضحى، فأيتهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً»
بيان قرب خروجها من طلوع الشمس من المغرب
«تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتخطم أنف الكافر بالخاتم، حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر»
حسّنه الترمذي وله شواهد
8
النار التي تخرج من اليمن
آخر علامات الساعة الكبرى، تطرد الناس إلى محشرهم
آخر العلامات الكبرى نار عظيمة تخرج من اليمن (وفي رواية: من قعر عدن)، تطرد الناس إلى أرض المحشر بالشام، فلا تكاد تترك أحداً، تسير بهم وتقيل معهم وتبيت معهم، فمن تخلف أكلته.
النار آخر علامات الساعة الكبرى ظهوراً، كما جاء في حديث حذيفة بن أسيد في مسلم، قال النبي ﷺ في العشر آيات: «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم». وفي رواية أخرى: «نار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر».
موضع خروجها من اليمن، وقيل من عدن (وهي مدينة معروفة في جنوب اليمن)، وقيل من بحرها، فتقذف بنار عظيمة لا تترك أحداً إلا ساقته إلى أرض المحشر. وأرض المحشر التي تساق إليها هي بلاد الشام، فقد قال النبي ﷺ: «الشام أرض المحشر والمنشر».
هذه النار ليست من نار جهنم وإنما من نار الدنيا، لكنها نار عظيمة آية من آيات الله، تسير في الأرض فلا يفر منها أحد. وفي وصفها قال النبي ﷺ: «تسير معهم حيث ساروا، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا»، فدل ذلك على أنها تسير بسير الناس ولا تفارقهم.
ويُحشر الناس يومئذ على ثلاث طرائق، كما في الحديث الصحيح: «يُحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا». فبيّن النبي ﷺ أن النار تكون آخر سائق للمتخلفين عن السير إلى أرض المحشر.
وقد جعل العلماء هذه النار آخر العلامات الكبرى التي تتقدم القيامة، فإذا ظهرت تتابعت العلامات تتابع حبات السبحة إذا انقطع سلكها. وبعدها يكون الحشر إلى الشام، ثم تكون النفخة في الصور التي بها تقوم الساعة.
وقد ذكر بعض العلماء أن هذه النار قد ظهرت إرهاصاً لها نار خرجت بالحجاز في القرن السابع الهجري (سنة 654 هـ)، أضاءت لها أعناق الإبل ببُصرى من أرض الشام، كما ذكر النبي ﷺ في حديث صحيح: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببُصرى». لكن هذا حديث آخر في نار خرجت بالحجاز، وليست هي النار الموعودة آخر علامات الساعة، فإن تلك ظهرت ومضت، وأما النار الموعودة فهي نار اليمن وهي علامة كبرى آخرها.
ويُستفاد من هذه العلامة: أن الناس في آخر الزمان يكونون في غفلة عن أمر الآخرة، فتأتيهم النار من جنبهم تسوقهم سوقاً قسرياً إلى محشرهم، فلا يفلت منها مُعرض ولا مغفل. وفي ذلك تنبيه للمؤمنين بأن يبادروا بالأعمال الصالحة وأن لا يغفلوا عن آخرتهم.
أقوال أهل العلم
اتفق أهل العلم على أن نار اليمن آخر العلامات الكبرى، استناداً إلى حديث حذيفة بن أسيد. قال النووي في شرح مسلم: «هذه النار هي علامة قيام الساعة، تخرج آخر علامات الكبرى». وذهب ابن حجر في الفتح إلى أنها نار حقيقية تخرج من الأرض كظهور البراكين، ولكن بصورة عظيمة تختلف عن البراكين المعتادة في كونها تطرد الناس وتسير معهم.
أما تفسير «المحشر» في الحديث بأنه يوم القيامة فهو غير صحيح، لأن النار الموعودة قبل النفخة في الصور، والمحشر المقصود هو موضع الاجتماع في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو الشام بنص النبي ﷺ. ثم يكون بعد ذلك النفخة في الصور وقيام الناس من القبور إلى المحشر الأكبر يوم القيامة.
الأدلة
«وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم»
نص في كونها آخر العلامات
«نار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر»
بيان موضع خروجها
«يُحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق... وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا»
وصف سيرها مع الناس
«لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببُصرى»
إرهاص لهذه النار خرج في القرن السابع الهجري بالمدينة
9
خروج المهدي
يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً (ملحق)
ملحق بالعلامات الكبرى، فقد ذهب جمهور أهل السنة إلى أن المهدي ليس من العلامات العشر التي ذكرها حديث حذيفة، ولكنه من العلامات الكبرى السابقة لخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام. يخرج رجل من أهل البيت من ذرية فاطمة رضي الله عنها، يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً، يكون في زمانه نزول عيسى ابن مريم عليه السلام.
المهدي هو رجل من أهل بيت النبوة، من ذرية فاطمة بنت رسول الله ﷺ، يخرج في آخر الزمان قبيل العلامات الكبرى الأخرى، فيقيم العدل ويحكم بشريعة الإسلام، فيمتلئ في عهده الخير حتى تخرج الأرض بركاتها. ولم يأتِ ذكره ضمن العلامات العشر في حديث حذيفة بن أسيد، ولكن جاء فيه أحاديث كثيرة صحت عند جمع من أهل العلم، فعدّه كثير من العلماء من علامات الساعة المتقدمة على نزول عيسى عليه السلام.
اسمه محمد بن عبد الله، يواطئ اسمُه اسمَ النبي ﷺ، واسمُ أبيه اسمَ أبي النبي ﷺ. وهو من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم على القول المشهور. يخرج من المشرق (وقيل من المدينة المنورة فيهرب إلى مكة فيُبايع له بين الركن والمقام)، فيبايعه أهل مكة، ثم تنتقل إليه الراية من المشرق والمغرب.
صفته كما وردت في الحديث: أجلى الجبهة (يعني انحسر الشعر من مقدم الرأس)، أقنى الأنف (يعني طويل الأنف معتدلاً)، حسن الوجه، يبعثه الله على فترة من الناس، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
مدة ملكه: ورد في الحديث: «يكون في أمتي المهدي، إن قَصُر فسبع، وإلا فثمان، وإلا فتسع»، وقيل: «يلي سبع سنين». فيكون في تلك المدة الخير الكثير: تنزل السماء قطرها، وتخرج الأرض بركاتها، ويحثو المال حثياً (يعني يعطيه بلا عدد).
وفي عهد المهدي يخرج الدجال، فيكون المهدي إماماً للمؤمنين، يلتفون حوله ويأويهم إلى بيت المقدس. ثم ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، فيؤمّ المهدي بالمسلمين في الصلاة، ويُعطي عيسى عليه السلام الإقامة للمهدي تكريماً له، ولأن الإقامة لأهل الدنيا وعيسى عليه السلام في حكم الضيف.
ملاحظة مهمة: ليس المهدي هو المهدي المنتظر عند الشيعة الإمامية الذي يدّعون أنه محمد بن الحسن العسكري الغائب منذ القرن الثالث الهجري؛ فهذا قول مخترع لا أصل له، ولا يُوافق ما جاء في أحاديث أهل السنة. فالمهدي عند أهل السنة رجل سيُولد ويظهر في زمن من الأزمان لم يأتِ بعد، وليس شخصاً ولد منذ قرون وما زال حياً.
أقوال أهل العلم
أحاديث المهدي رواها جمع من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأم سلمة، وأبو هريرة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وآخرون. وقد صحح جمع من العلماء أحاديثه، منهم ابن تيمية، والذهبي، والسيوطي، والشوكاني، وابن باز. قال الشوكاني في فتاويه: «والذي يمكن أن يقال: إن الأحاديث الواردة في المهدي قد بلغت حد التواتر، فلا ينكره إلا جاهل بالحديث أو متعنت».
أما من أنكر المهدي مطلقاً، كابن خلدون في مقدمته، فقد رد عليه أكثر من واحد من العلماء، وبينوا أن أحاديثه قد بلغت حداً يفيد القطع، وأن إنكاره من قبيل التعصب لا من قبيل التحقيق العلمي.
ويُلاحظ أن بعض الأحاديث في صفات المهدي وعلامات خروجه فيها ضعف، فينبغي للمسلم أن يأخذ منها ما صح، ويترك ما فيه نكارة. وأن يحذر من الغلو في انتظار المهدي حتى يفوّت العمل، فإن المسلم لا ينبغي له أن يعلق آماله بأشخاص بعينهم، بل بالعمل الصالح والسعي في إصلاح نفسه ومن حوله، فالخير في الإسلام لا يتوقف على ظهور المهدي بل هو موجود في كل زمان.
الأدلة
«لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني (أو من أهل بيتي) يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً»
صححه الألباني
«لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»
حسّنه الترمذي وصححه الألباني
«المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة»
حسّنه الألباني، يعني أن الله يهديه ويوفقه ليتأهل لهذا الأمر العظيم
«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟»
إمامهم منهم هو المهدي على ما رجحه جمع من المحققين
10
النفخ في الصور
بداية قيام الساعة الكبرى وقيام الناس من قبورهم
النفخ في الصور هو الإيذان بقيام الساعة الكبرى الفعلي، وهو نفختان: الأولى يصعق بها من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، والثانية يقوم بها الناس من قبورهم إلى ربهم للحساب. وهو أمر مقطوع به في القرآن، لكنه ليس من «العلامات» بل من بدء الساعة نفسها.
النفخ في الصور هو الإيذان بقيام الساعة الكبرى وبدء أحداث الآخرة. والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام بإذن الله، وقد قال النبي ﷺ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يُؤمر فينفخ؟»، فقال الصحابة: ما نقول يا رسول الله؟ قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل».
والنفخ في الصور نفختان متفق عليهما، وقيل ثلاث:
النفخة الأولى: نفخة الفزع (وقيل: الصعق). يفزع لها كل من في السماوات والأرض، ثم يصعق الجميع، إلا من شاء الله. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
النفخة الثانية: نفخة البعث. وهي التي يقوم بها الناس من قبورهم. قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
بين النفختين أربعون، قال أبو هريرة: «أربعون يوماً؟»، قالوا: أبيت. قال: «أربعون شهراً؟»، قالوا: أبيت. قال: «أربعون سنة؟»، قالوا: أبيت. ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وكل ابن آدم يبلى إلا عَجْب الذَّنَب (وهو عظم صغير في أسفل العمود الفقري)، فمنه يُركَّب الإنسان يوم القيامة.
وفي اللحظة التي يُنفخ فيها النفخة الأولى تكون أحوال الناس في غاية الغفلة، كما قال النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله»، وكما قال: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها».
وسبب وضع هذه العلامة في آخر القائمة هو أنها ليست من «أمارات» الساعة، بل هي بدء قيامها الفعلي. ولكنها مذكورة هنا لتتم الصورة: بعد ظهور العلامات العشر الكبرى، يكون النفخ في الصور هو الذي يقطع الحبل بين الدنيا والآخرة، ويبدأ بأحداث اليوم الآخر التي يجب الإيمان بها بإجمالها.
وبعد النفخة الثانية يبدأ الحشر والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، وكلها من تفصيلات الإيمان باليوم الآخر التي ينبغي للمسلم أن يعرفها ويؤمن بها، فإنها من الإيمان بالغيب الذي مدح الله أهله في أول سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
أقوال أهل العلم
النفخ في الصور أمر مقطوع به في القرآن، فقد وردت آيات كثيرة تذكره، منها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾.
وقد ذهب جمهور أهل السنة إلى أن النفختين اثنتان، وذهب بعضهم إلى أنها ثلاث (الفزع، ثم الصعق، ثم البعث)، والصحيح أنها اثنتان فقط، وأن النفخة الأولى يفزع بها كل من في السماوات والأرض، ثم بسبب الفزع الشديد يصعق الجميع. وأما الثانية فهي نفخة البعث. وهذا قول ابن تيمية وابن القيم وأكثر المحققين.
وممن صرّح بأن النفخ في الصور علامة فعلية لقيام الساعة لا مجرد أمارة على قربها: ابن كثير في النهاية، حيث جعل النفخ مقدمة للفصل الذي عقده عن أهوال يوم القيامة، فاصلاً بذلك بين أمارات الساعة وعلاماتها الكبرى، وبين أحداث القيامة نفسها.
الأدلة
«﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾»
نص قاطع في النفختين
«﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾»
نص في نفخة الفزع
«كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يُؤمر فينفخ»
صححه الألباني
«بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عَجْب الذَّنَب، ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة»
بيان فترة ما بين النفختين وما بعدها