سورة الأنعام · الآية 155

وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ155

الجزء 8 الصفحة 149
تفسير السعدي
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَهَذَا } القرآن العظيم، والذكر الحكيم. { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ } أي: فيه الخير الكثير والعلم الغزير، وهو الذي تستمد منه سائر العلوم، وتستخرج منه البركات، فما من خير إلا وقد دعا إليه ورغب فيه، وذكر الحكم والمصالح التي تحث عليه، وما من شر إلا وقد نهى عنه وحذر منه، وذكر الأسباب المنفرة عن فعله وعواقبها الوخيمة { فَاتَّبِعُوهُ } فيما يأمر به وينهى، وابنوا أصول دينكم وفروعه عليه { وَاتَّقُوا } الله تعالى أن تخالفوا له أمرا { لَعَلَّكُمْ } إن اتبعتموه { تُرْحَمُونَ } فأكبر سبب لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب، علما وعملا.

التفسير الميسر
نخبة من العلماء

وهذا القرآن كتاب أنزلناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، خيره كثير فاتبعوه فيما يأمر به وينهى عنه، واتقوا الله أن تخالفوا له أمرًا؛ رجاء أن ترحموا فتنجوا من عذابه، وتظفروا بثوابه.

تفسير ابن كثير
إسماعيل بن عمر بن كثير

وبعدها "وهذا كتاب أنزلناه مبارك" الآية. وقال تعالى مخبرا عن المشركين "فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى" قال تعالى "أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون" وقال تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا "يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق" الآية وقوله تعالى "تماما على الذي أحسن وتفصيلا" أي آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمام كاملا جامعا لما يحتاج إليه في شريعته كقوله "وكتبنا له في الألواح من كل شيء" الآية. وقوله تعالى "على الذي أحسن" أى جزاء على إحسانه في العمل وقيامه بأوامرنا وطاعتنا كقوله "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" وكقوله "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما" وكقوله "وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون" وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس "ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن" يقول أحسن فيما أعطاه الله وقال قتادة من أحسن في الدنيا تمم له ذلك في الآخرة واختار ابن جرير أن تقديره "ثم آتينا موسى الكتاب تماما" على إحسانه فكأنه جعل الذي مصدرية كما قيل في قوله تعالى "وخضتم كالذي خاضوا" أي كخوضهم وقال ابن رواحة. وثبت الله ما آتاك من حسن في المرسلين ونصرا كالذي نصروا وقال آخرون الذي ههنا بمعنى الذين قال ابن جرير وذكر عبد الله بن مسعود أنه كان يقرؤها تماما على الذين أحسنوا وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد تماما على الذي أحسن قال على المؤمنين والمحسنين وكذا قال أبو عبيدة وقال البغوي المحسنون الأنبياء والمؤمنون. يعني أظهرنا فضله عليهم قلت كقوله تعالى "قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي" ولا يلزم اصطفاؤه على محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والخليل عليهما السلام لأدلة أخرى. قال ابن جرير: وروى أبو عمرو بن العلاء عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرؤها تماما على الذي أحسن رفعا بتأويل على الذي هو أحسن ثم قال وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها وإن كان لها في العربية وجه صحيح وقيل معناه تماما على إحسان الله زيادة على ما أحسن إليه حكاه ابن جرير والبغوي ولا منافاة بينه وبين القول الأول وبه جمع ابن جرير كما بيناه ولله الحمد وقوله تعالى "وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة" فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه "لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" فيه الدعوة إلى اتباع القرآن يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين.

تفسير القرطبي
محمد بن أحمد القرطبي

وهذا كتاب ابتداء وخبر . أنزلناه مبارك نعت ; أي كثير الخيرات . ويجوز في غير القرآن مباركا على الحال . فاتبعوه أي اعملوا بما فيه . واتقوا أي اتقوا تحريفه . لعلكم ترحمون أي لتكونوا راجين للرحمة فلا تعذبون .

تفسير الطبري
محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وهذا كتاب أنـزلناه مبارك)، وهذا القرآن الذي أنـزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم =" كتاب أنـزلناه مبارك فاتبعوه "، (39) يقول: فاجعلوه إمامًا تتّبعونه وتعملون بما فيه، أيها الناس (40) =(واتقوا)، يقول: واحذروا الله في أنفسكم، أن تضيعوا العمل بما فيه, وتتعدّوا حدودَه, وتستحلُّوا محارمه . (41) كما:-14179- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة,قوله: (وهذا كتاب أنـزلناه مبارك)، وهو القرآن الذي أنـزله الله على محمد عليه الصلاة والسلام =(فاتبعوه)، يقول: فاتبعوا حلاله، وحرّموا حرامه .* * *وقوله: (لعلكم ترحمون)، يقول: لترحموا، فتنجوا من عذاب الله، وأليم عقابه .---------------------الهوامش :(39) انظر تفسير (( مبارك )) فيما سلف 7 : 25 /11 : 530 .(40) انظر تفسير (( الاتباع )) فيما سلف من فهارس اللغة ( تبع ) .(41) انظر تفسير (( التقوى )) فيما سلف من فهارس اللغة ( وقى ) .

→ الآية السابقة الآية التالية ←