قصص السلف

رفضه القضاء وسجنه حتى الموت

والله لا أوافق على ذلك ولو ضربتموني بالسياط

الإمام أبو حنيفة إمام ما بعد الخلافة

📍 بغداد

عرض الخليفة المنصور على أبي حنيفة منصب قاضي القضاة، فأبى، فحبسه وضربه بالسياط، فثبت أبو حنيفة على موقفه حتى مات في السجن، صائناً علمه عن أن يُستخدم لتزيين الظلم.

في زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، أراد المنصور أن يولّي أبا حنيفة منصب قاضي القضاة في بغداد، ليُكسب دولته الجديدة شرعية أمام العلماء، ولأن أبا حنيفة كان أعلم أهل العراق وأشهرهم. فأرسل إليه عرض المنصب وأموالاً كثيرة. لكن أبا حنيفة أبى أن يتولّى القضاء، خشية أن يُضطرّ إلى الحكم بما يخالف اجتهاده، أو أن يكون أداةً في يد السلطان لتزيين الظلم. أرسل المنصور إليه مرة بعد مرة، فأبى. فاستحلفه المنصور، فقال أبو حنيفة: «والله لا أصلح لذلك». فقال المنصور: «كذبت». فقال أبو حنيفة: «إن كنت كذبت فقد حكم أمير المؤمنين بشهادة كاذب، والكاذب لا يولَّى القضاء». فأفحم المنصور بحجّته. لكنّ المنصور غضب وأمر بسجنه وضربه، فحُمل أبو حنيفة إلى السجن وضُرب بالسياط، يقال أنه ضُرب نحو عشرين سوطاً في الأيام الأولى. وكان كل يوم يخرج إليه رسول المنصور يطلب منه التراجع وقبول المنصب، ويُغريه ويهدّده، فيقول أبو حنيفة: «والله لا أوافق على ذلك ولو ضربتموني بالسياط حتى أموت». وكان وهو في السجن يصلّي ويقرأ القرآن، حتى صار يُروى عنه أنه ختم القرآن في ركعة واحدة قبل وفاته. وظلّ أبو حنيفة في السجن أياماً، وقد بلغ من العمر السبعين، حتى سُمّ أو ضُرب الضربة الأخيرة، فمات شهيداً في رمضان من سنة 150هـ. وقيل: إنه شرب شربة فمات بسببها، والله أعلم. فلما خرجت جنازته من السجن، خرج لها جمع لم تشهد بغداد مثله، حتى قال بعضهم: «صلّى على جنازته خمسون ألفاً». فحفظ أبو حنيفة كلمة العلم بدمه، وضرب مثلاً خالداً في أن العالم لا يبيع ضميره للسلطان، ولو كلّفه ذلك الحياة نفسها.

الدروس المستفادة
العالم لا يبيع نفسه للسلطان
آثر أبو حنيفة السجن على القضاء، فاستقلال العالم عن السلطان من أهم شروط استقامة العلم، ومن قبل المنصب اشترى راحته بدينه.
الذكاء في إفحام الظالم
أفحم أبو حنيفة المنصور بحجّته البليغة، فالعالم لا يضعف أمام السلطان بل يواجهه بالحجة، فالعقل سلاح المؤمن أمام الظلم.
الموت كرماً خير من الحياة ذلّاً
آثر أبو حنيفة الموت في السجن على ذلّ التنازل، فالحياة بكرامة وشرف خير من حياة في تنازل، والصدق مع الله أهم من رضا الناس.
آيات ذات صلة
سورة 17 : 73-74 ↗
المصادر
  • — تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج13، أخبار سجن أبي حنيفة وموته
  • — سير أعلام النبلاء للذهبي ج6، خاتمة ترجمة أبي حنيفة
  • — البداية والنهاية لابن كثير ج10، أحداث سنة 150هـ