وقفتها مع ابنها عبد الله بن الزبير
إن كنت على حق فامضِ ولا تتأخّر
📍 مكة المكرمة
حين حاصر الحجاج بن يوسف ابنها عبد الله بن الزبير في مكة، جاءها يستشيرها وقد كاد يُسلم نفسه، فثبّتته بكلمات بطولية وأوصته أن يموت على الحق، فمضى فقاتل حتى استُشهد.
بعد وفاة معاوية وتولّي يزيد، بُويع عبد الله بن الزبير بالخلافة في مكة، وامتدّت دولته نحو تسع سنين شملت الحجاز والعراق وأكثر بلاد المسلمين. فلما تولّى عبد الملك بن مروان، أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي لحرب ابن الزبير، فحاصره في مكة المكرمة حصاراً شديداً، وضرب الكعبة بالمنجنيق. اشتدّ الحصار، وانفضّ عن ابن الزبير كثير من أتباعه، حتى جاء الحجاج بعرض الأمان إن استسلم، فجاء عبد الله إلى أمه أسماء — وهي امرأة عمياء عجوز قد تجاوزت المائة من عمرها — يستشيرها، فكأنّه تردّد. فقالت له بصوتها الحازم: «يا بنيّ، أنت أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنك على حقّ وإليه تدعو فامضِ له، فقد قُتل عليه أصحابك، ولا تُمكّن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية. وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قُتل معك». فقال: يا أمّتاه، إني خائف أن يمثّلوا بي إذا قتلوني. فقالت: «يا بنيّ، إن الشاة المذبوحة لا تتألّم بالسلخ». فعانقها وعانقته، فلمست تحت ثيابه درعاً، فقالت: «ما هذا صنيع من يريد ما تريد». فنزعه عنه. ثم خرج فقاتل قتالاً عظيماً حتى قُتل رضي الله عنه. وصُلب على باب مكة، ومرّت به أمّه بعد فقالت: «أما آن لهذا الفارس أن يترجّل؟». فثبّتت أمّه ابنها في أصعب لحظة، وكانت كلماتها كلمات الأبطال، لا كلمات الأمومة التي تُؤْثر السلامة على الحق.
- — الطبقات الكبرى لابن سعد ج8، ترجمة أسماء بنت أبي بكر
- — البداية والنهاية لابن كثير ج8-9، مقتل ابن الزبير
- — تاريخ الطبري ج6، أحداث سنة 73هـ