قصص السلف

من قاطع طريق إلى عابد

آية قرآنية حوّلت لصّاً إلى عابد

الفضيل بن عياض إمام ما بعد الخلافة

📍 خراسان ومكة

كان الفضيل بن عياض في شبابه قاطعاً للطريق، يخيف الناس ويسرقهم بين خراسان وأبيورد. فبينما هو يتسوّر دار جارية يحبها، سمع آية من القرآن: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فبكى وتاب من ساعته، فصار من أعظم العبّاد.

وُلد الفضيل بن عياض في خراسان، ونشأ بأبيورد. كان في شبابه قاطعاً للطريق بين أبيورد وسرخس، يسرق المسافرين، حتى عُرف وخيف من اسمه. ومع كل هذا، كان فيه بقايا تقوى، فإذا كانت في القافلة امرأة لا يتعرّض لها، وإذا كان فيها مال مودَع لرجل، ردّه إلى صاحبه. وكان أحياناً يصلّي في الليل ثم يقطع الطريق في النهار. عشق الفضيل في شبابه جاريةً، وكان يأتيها سرّاً. فبينما هو يتسلّق إلى دارها ذات ليلة، سمع تالياً يقرأ من جوار: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (الحديد: 16). فلما سمعها وقعت في قلبه وكأنها سهم أصابه. فقال: «بلى يا رب، قد آن». فتاب من ساعته، وانسلّ من الجدار، فاضطجع في خرابة قرب الطريق. فلما أصبح، سمع مسافرين يقولون لبعضهم: إنّ في الطريق فضيلاً يقطع علينا، فلا نمضي حتى يصبح ونأمن. فبكى الفضيل وقال: «أنا الفضيل، ومن يخاف الفضيل بعد الليلة؟ من سرقت منه شيئاً فأنا ضامن ردّه». ثم سعى في ردّ المظالم التي وقعت منه، فردّ ما استطاع، حتى بقي عليه دين رجل لم يجده، فحمل ماله إلى المسجد وأعطاه لأناس، يقول: اللهم إن وصل ثوابه إلى صاحبه فهذه كفّارة عنه، وإلا فاكتب لي حسنة. ثم رحل إلى مكة المكرمة فأقام بها بقية عمره مجاوراً للبيت الحرام، حتى لُقّب بـ«عابد الحرمين». وصار من كبار علماء عصره، يأخذ عنه الإمام الشافعي وعبد الله بن المبارك وغيرهم. ومات بمكة سنة 187هـ. ومن أشهر مواقفه: لمّا قدم الخليفة هارون الرشيد مكة وحجّ، طلب من وزيره الفضل بن الربيع أن يدلّه على رجل يعظه فيرجع إليه، فدلّه على الفضيل. فلما دخل عليه ليلاً، أطفأ الفضيل السراج، وقعد متّعكفاً يتلو القرآن، حتى إذا قارب هارون منه، قال له الفضيل: «هاتها». قال هارون: «أُعطيك ماذا؟». قال الفضيل: «يدك». فأعطاه يده، فقلّبها الفضيل ثم قال: «يا حسن هذه اليد لو نجت من النار، يا أمير المؤمنين، أنت المسؤول عن كل أمة محمد، انظر كيف تلقاه». فبكى هارون بكاءً شديداً، وكان من أعظم مواعظ التابعين.

الدروس المستفادة
آية من القرآن قد تغيّر مسار حياة
غيّرت آية واحدة حياة الفضيل، فالقرآن يخاطب القلوب أحياناً بصورة لا يخاطبها بها شيء آخر، فاسمعه بقلب حاضر.
ردّ المظالم من شروط التوبة
ردّ الفضيل ما سرق من الناس قبل أن يكتفي بالاستغفار، فالتوبة من حقوق الناس لا تتمّ إلا بردّ الحقوق، لا بمجرد الاستغفار.
كلمة الحق للسلطان واجبة
وعظ الفضيل هارون الرشيد بصراحة، فمن دخل على سلطان فلم ينصحه فقد فاتته فرصة، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
آيات ذات صلة
سورة 57 : 16 ↗
المصادر
  • — حلية الأولياء لأبي نعيم ج8، ترجمة الفضيل بن عياض
  • — سير أعلام النبلاء للذهبي ج8، ترجمة الفضيل بن عياض
  • — صفة الصفوة لابن الجوزي ج2، ترجمة الفضيل