شعره في الجهاد وكرمه
يجمع بين سيف المجاهد وقلم العالم وكفّ التاجر الكريم
📍 مرو وثغور الشام
كان عبد الله بن المبارك ظاهرة فريدة في التابعين، يجمع بين الجهاد على الثغور والعلم الواسع والتجارة الناجحة والإنفاق العظيم، حتى أرسل بأبياته الشهيرة إلى الفضيل بن عياض المعتكف بمكة يدعوه إلى ميدان الجهاد.
كان عبد الله بن المبارك من خراسان (من مرو)، وأبوه تركيّ وأمّه خوارزمية. نشأ في خراسان، فطلب العلم وهو شاب، ورحل إلى البلاد فأخذ عن أكثر من أربعة آلاف شيخ. اشتُهر بأنه يجمع بين خصال لا تجتمع عند غيره: العلم، والجهاد، والتجارة، والزهد، والكرم. أما الجهاد، فكان يخرج كل سنة على ثغور المسلمين في طرسوس (الحدود مع الروم)، يقاتل في الصيف ويرجع للحجّ والعلم في الشتاء. ومن أشهر ما كتب: كتاب «الجهاد»، أول كتاب في موضوعه. ومن أعظم مواقفه أن أرسل قصيدته الشهيرة إلى صديقه الفضيل بن عياض الذي كان مجاوراً بمكة، يدعوه فيها إلى الجهاد، فقال: «يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعبُ من كان يخضب جيده بدموعه ... فجيوننا بدمائنا تتخضّبُ أو كان يُتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعبُ ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيبُ ولقد أتانا من مقال نبيّنا ... قول صحيح صادق لا يكذبُ لا يستوي وغبار خيل الله في ... أنف امرئٍ ودخان نار تلهبُ» فلما قرأها الفضيل بكى وقال: «صدق ابن المبارك ونصحني». وأما تجارته فكانت في خراسان، فيكسب فيها أموالاً عظيمة، فينفقها كلها في خير: على طلبة العلم وفقراء البلاد والمجاهدين. كان يحجّ سنة ويغزو سنة ويتّجر سنة، يقسّم وقته بهذا الترتيب. وكان كرمه مضرب المثل، حتى قال أحد طلابه: «كأنّ ابن المبارك إذا أعطى كأنه يستحي ممّا يأخذ». فجمع رضي الله عنه بين قوة الجسد في الجهاد وقوة العقل في العلم وقوة اليد في الكسب، ومات بهيت قرب الفرات راجعاً من غزو سنة 181هـ.
- — حلية الأولياء لأبي نعيم ج8، ترجمة عبد الله بن المبارك
- — سير أعلام النبلاء للذهبي ج8، ترجمة ابن المبارك
- — تاريخ بغداد للخطيب ج10، ترجمة ابن المبارك