قصص السلف

فتح الباري وعلم الحديث

خمس وعشرون سنة في شرح صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني إمام ما بعد الخلافة

📍 القاهرة

أمضى ابن حجر العسقلاني خمساً وعشرين سنة في تأليف «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، فأنتج أعظم شرح لأصحّ كتاب بعد كتاب الله، حتى قيل: «لا هجرة بعد الفتح»، يعني أن الناس لا يحتاجون لشرح آخر بعد فتح الباري.

وُلد شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في القاهرة سنة 773هـ. كان أبوه علي عالماً، لكنه مات وابنه ابن أربع سنين، فيتم ابن حجر. وماتت أمه قبل ذلك، فعاش يتيماً تحت كفالة وصيّه. حفظ القرآن وعمره تسع سنين على الصدر المنشاوي، وحجّ مع أخيه وعمره ثلاث عشرة سنة، وصلّى التراويح إماماً بالحرم المكي في الموسم. سمع الحديث على كبار شيوخ مصر والشام والحجاز واليمن، وأخذ عن نحو ستمئة شيخ. ومن أبرز شيوخه الزين العراقي (عالم الحديث الكبير)، ولزمه عشر سنوات، حتى أصبح يكنّيه «بشيخنا الإمام». وقرأ على البلقيني (أكبر علماء عصره في الفقه الشافعي). أشتُهر ابن حجر في عصره بالحفظ والإتقان، حتى وصفه السخاوي تلميذه بأنه «كأنّ السنّة بين عينيه». وعُيّن قاضي القضاة في مصر لمدة طويلة، نحو ثلاث وعشرين سنة، فحكم بالعدل، وكان مرجع المفتين. وكان يحفظ ـ على ما يُذكر ـ أكثر من مئة ألف حديث بأسانيدها. بدأ ابن حجر بتأليف شرحه على صحيح البخاري سنة 817هـ، وفرغ منه سنة 842هـ، فعمل فيه خمساً وعشرين سنة كاملة. عنوانه «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، يقع في ثلاثة عشر مجلّداً ضخماً. وضم في شرحه: شرح كل حديث لغوياً ومتنياً وفقهياً، وذكر الخلاف الفقهي بين المذاهب، وأحوال الرواة، وذكر طرق الحديث الأخرى، وما يتعلّق به من اللطائف والفوائد. احتفل العلماء بهذا الكتاب احتفالاً عظيماً عند تمامه. أقيمت وليمة كبرى في القاهرة سنة 842هـ، حضرها كبار العلماء، ومُدح فيها ابن حجر بقصائد. واشتراه السلطان شاه روخ التيموري بـ ألف دينار، فبيع وقد سار في الأقطار. ومن أقوال العلماء فيه: «لا هجرة بعد الفتح»، يعني لا حاجة بعده لشرح آخر للبخاري. وقال آخر: «أبو الفداء وشيخه شأنهما ... شأن الكواكب أنوارها لا تخفى». ترك ابن حجر مؤلّفات أخرى عظيمة بلغت نحو مئة وخمسين كتاباً ورسالة، منها: «الإصابة في تمييز الصحابة» (موسوعة في تراجم الصحابة)، «تهذيب التهذيب»، «تقريب التهذيب»، «بلوغ المرام من أدلة الأحكام»، «نخبة الفكر» مع شرحها «نزهة النظر» (في مصطلح الحديث)، «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة». تُوفي ابن حجر بالقاهرة سنة 852هـ، فصلّى عليه السلطان واتسعت القاهرة لجنازته، ودُفن بمقبرة القرافة بالقاهرة، فكان ختاماً عظيماً لسلسلة كبار حفّاظ الحديث.

الدروس المستفادة
الصبر على المشاريع الكبيرة
أمضى ابن حجر خمساً وعشرين سنة على كتاب واحد، فالأعمال العظيمة لا تُنجز في يوم، بل بصبر طويل ومراجعة مستمرّة وعمل دؤوب.
خدمة كتب أهل العلم
خدم ابن حجر صحيح البخاري بشرحه، فالعالم لا يحتاج دائماً إلى تأليف جديد، بل قد يكون شرح كتب السابقين أنفع من كتابة كتاب جديد.
الجمع بين القضاء والتأليف
كان ابن حجر قاضياً ومؤلّفاً، فالعالم يستثمر وقته في الجمع بين العمل النافع والعلم النافع، فلا يضيع الوقت بين الواجبات.
آيات ذات صلة
سورة 35 : 28 ↗
المصادر
  • — الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي كامل الكتاب
  • — الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ج2، ترجمة ابن حجر
  • — البدر الطالع للشوكاني ترجمة ابن حجر العسقلاني