قصص السلف

ورعه في التجارة

ردّ القافلة بسبب ريبة فأرسلها لله

محمد بن سيرين تابعي ما بعد الخلافة

📍 البصرة

كان ابن سيرين تاجراً ورعاً، يردّ البضاعة إذا وجد فيها شبهة، ومن أشهر مواقفه أنه باع زيتاً ثم وجد في القافلة فأرة ميتة، فاسترجع البضاعة ولم يكتم العيب، حتى ضاع رأس ماله، فلم يحزن.

كان محمد بن سيرين تاجراً يكسب رزقه من البيع والشراء، خاصة في تجارة الزيت والبزّ. وكان ورعه في التجارة مضرب المثل بين التابعين. اشترى مرة زيتاً كثيراً، فلما فحصه وجد في إحدى زقاقه فأرة ميتة. ففكّر: إن أعاد الزقّ كله إلى البائع نجا هو، لكن قد يبيعه البائع لرجل آخر فيُغشّ. فقرّر أن لا يردّه، بل أتلف الزيت كله، فخسر مالاً عظيماً. وكان لا يبيع أحداً إلا وأخبره بكل عيب في السلعة، حتى لا يقع في الغش. ومن أشهر أخباره أنه ربح في بعض تجارته ربحاً معقولاً، فلما خرج وجد البائع لم يعلم بكل قيمة السلعة، فعاد إليه وأخبره وردّ عليه ربحه، حتى يطمئنّ قلبه. وكانت عليه ديون كثيرة آخر حياته، حُبس بسببها، فلما سُئل عن سبب الديون قال: «اشتريت زيتاً ثم بلغني أن البائع غشّ فيه، فأنكرت أن أبيع منه شيئاً، فأخرجته كله وتجرّعت الخسارة». وكان ورع ابن سيرين في التجارة درساً عظيماً لكل تاجر مسلم: أن المال الحلال أعظم من المال الكثير، وأن طمأنينة القلب فوق ربح الجيب. ومات ابن سيرين سنة 110هـ، وقد وصفه أنس بن مالك بأنه «أعقل من رأيت من الناس». وقال هشام بن حسان: «كان محمد بن سيرين يجلس مع القوم فيضحك، فإذا جاء الحديث الذي عن النبي ﷺ قطّب وجهه». فجمع بين البشاشة في الناس والهيبة في الحديث، وبين العلم الواسع والورع الشديد، فكان عَلَماً للتابعين في كل خصلة.

الدروس المستفادة
الورع باب الجنة
آثر ابن سيرين الخسارة على الشبهة، فالورع تحفّظ المؤمن من الحرام والشبهات، وقد قال النبي ﷺ: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات».
حماية الأمة من الغش
أتلف ابن سيرين الزيت ولم يبعه لئلا يغشّ مسلماً، فالتاجر المؤمن يحمل همّ المسلمين كأنهم أهله، فلا يرضى لهم ما لا يرضاه لنفسه.
الفصل بين الجدّ والمزاح
كان ابن سيرين يضحك مع الناس ويهيب في الحديث، فالعالم يعرف موضع البشر وموضع الجدّ، فلا تختلط جدّياته بهزله ولا هزله بجدّه.
آيات ذات صلة
سورة 83 : 1-3 ↗
المصادر
  • — حلية الأولياء لأبي نعيم ج2، ورع ابن سيرين
  • — سير أعلام النبلاء للذهبي ج4، ترجمة محمد بن سيرين
  • — الطبقات الكبرى لابن سعد ج7، ترجمة ابن سيرين