تصوّفه السنّي وحكمه المأثورة
الطريق لا يكون إلا بالكتاب والسنّة
📍 بغداد
كان الجنيد البغدادي من أكبر علماء التصوّف السنّي القائم على الكتاب والسنّة، تتلمذ على السري السقطي، وكان فقيهاً على مذهب أبي ثور، وقد أصبح مرجعاً لكل الطرق الصوفية المنضبطة بالشرع، تتداول حكمه ومواعظه إلى اليوم.
وُلد أبو القاسم الجنيد بن محمد ببغداد سنة 215هـ، من أسرة فارسية تتاجر بالقوارير (الزجاج)، فلُقّب بـ«القواريري». لازم خاله السري السقطي ـ من كبار الزهّاد ـ منذ صغره، فتربّى على يديه على الزهد والعبادة. ودرس الفقه على أبي ثور صاحب الإمام الشافعي، فصار فقيهاً مفتياً وهو ابن عشرين سنة. ودرس الحديث أيضاً، فجمع بين علوم الشريعة والسلوك. كان منهج الجنيد في التصوّف يقوم على ربط السلوك بالشريعة ربطاً وثيقاً، فلا يقبل ادّعاءً صوفياً يخالف الكتاب والسنّة. وقد قال كلمته الشهيرة التي صارت ميزاناً للطرق الصوفية: «من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث، لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيّد بالكتاب والسنّة». وقال أيضاً: «الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول ﷺ». من حكمه المأثورة في الزهد والمعرفة: - «التوحيد إفراد القديم من المُحدَث». - «من جلس مع الفقراء بالتعزّز عليهم أذلّه الله، ومن جلس معهم بالتواضع رفعه الله». - «أشدّ الأعمال في خصال ثلاث: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يُرجى ويُخاف». - «من لم يقم الحقّ ما عرف الحقّ، إن عرف الحقّ بقلبه يقم بفرضه على جوارحه». من مواقفه: مرّ به شاب يدّعي المعرفة ويتعجرف، فأراد الجنيد أن يربّيه، فقال له بحضرة جماعة: ائتني بكوب من الماء. فلما أتاه به، قال له: اشربه. فشربه. فقال: «إن الجاهل بآداب الخدمة يَدلّ على الجاهل بآداب الطريق». وقصد الجنيد بذلك أن الطريق إلى الله يبدأ من تعلّم الآداب الصغيرة. وكان الجنيد يجتمع بأهل العلم والفقه، وعرض عليه بعض إخوانه أن يتفرّغ للعبادة فقط ويترك الفقه، فأبى وقال: «إن الله لا يقبل من العالم تركه للعلم، ومن العابد تركه للعبادة». وكان مرجعاً لأكابر علماء عصره، حتى توفي ببغداد سنة 297هـ، وقبره معروف ببغداد. وعنه أخذ كثير من العلماء الذين جاؤوا بعده طريقة الزهد المنضبط، فعدّ بحقّ «سيد الطائفة».
- — حلية الأولياء لأبي نعيم ج10، ترجمة الجنيد
- — سير أعلام النبلاء للذهبي ج14، ترجمة الجنيد البغدادي
- — صفة الصفوة لابن الجوزي ج2، ترجمة الجنيد