قصص السلف

زهده وأخلاقه

بركة العراق التي يُتبرّك بقبرها للدعاء

معروف الكرخي إمام ما بعد الخلافة

📍 الكرخ، بغداد

كان معروف الكرخي عبداً صالحاً من أصل نصراني، أسلم على يد علي بن موسى الرضا، ثم أسلم أبواه على يديه، فلازم العبادة والزهد، وكان من أرقّ الناس قلباً وأحسنهم خلقاً، حتى قيل قبره ببغداد ترياق مجرّب.

وُلد معروف بن فيروز الكرخي في الكرخ ـ حيّ ببغداد ـ من أبوين نصرانيّين، فنشأ على دين أبويه. فلما كبر، التقى علي بن موسى الرضا، فأسلم على يديه. فلما رجع إلى بيته، جاء أبوه فقال: ما الذي صنعت؟ قال: أسلمت. فضربه أبوه ضرباً وجيعاً، ثم لم يلبث أن أسلم الأبوان على يدي ابنهما، فكان أول أعمال معروف في الإسلام هداية أبويه. ثم لازم معروف التعبّد والزهد، فترك الدنيا كلها، وعاش زاهداً متقشّفاً في الكرخ ببغداد، يكفيه الكفاف من العيش. وكان عجائز الكرخ يأتينه فيشكين له فقرهن، فيقسّم ما عنده عليهن. وقد قيل عنه: «ما رؤي بشر الحافي إلا لقاءه بمعروف الكرخي، فإن بشراً انتفع به أعظم انتفاع». اشتُهر معروف بسعة الخلق والإيثار، حتى قال أحدهم: «كان معروف الكرخي يخدمنا في المرض، فإذا تماثلنا قبّل أيدينا»، أي كأنّ المخدوم هو الخادم في تواضعه. وكان لا يصبر إذا رأى مظلوماً إلا نصره، ولا فقيراً إلا أعطاه ولو من ثوبه. ولزم بيته في آخر عمره يبكي من خشية الله، فقال له بعض جلسائه: ما لك تبكي؟ فقال: «أنا أبكي على ذنوبي، ولا أعلم ما الذي يكفّرها». مات معروف ببغداد سنة 200هـ، فدُفن في الكرخ. وحتى اليوم، يقصد قبره الناس للدعاء عنده، يتوسّلون بدعائه (لا به نفسه ـ والعبرة بالعبرة وليس بالاعتقاد المخالف للشرع). وقد قال فيه الإمام أحمد بن حنبل: «معروف من الأبدال، مستجاب الدعوة»، وقال أيضاً: «من رأيت من السلف أزهد منه؟»، فقال: «من ترك الدنيا لله من غير أن تكون بين يديه». ملحوظة: التوسّل بقبور الصالحين بمعنى دعائهم من دون الله مما يخالف العقيدة، أما التوسّل بأعمالهم الصالحة فجائز.

الدروس المستفادة
العبد يهدي أهله إلى الله
أسلم أبوا معروف على يديه، فالولد المؤمن قد يكون سبباً لهداية والديه، فلا تقصّر في الدعاء لأهلك ودعوتهم بالحكمة.
حسن الخلق دعوة بلا كلام
تأثّر كثير من الناس بأخلاق معروف قبل علمه، فحسن الخلق دعوة صامتة أبلغ من الخطب، والناس يقيسون الإسلام بأخلاق المسلمين.
ترك الدنيا لا يحتاج إلى ملكها أولاً
ترك معروف الدنيا قبل أن تأتيه، فالزهد الحقّ ليس فيمن ملك ثم ترك، بل فيمن لم يطلب أصلاً، فقلبه فارغ منها قبل يده.
آيات ذات صلة
سورة 4 : 125 ↗
المصادر
  • — حلية الأولياء لأبي نعيم ج8، ترجمة معروف الكرخي
  • — سير أعلام النبلاء للذهبي ج9، ترجمة معروف الكرخي
  • — تاريخ بغداد للخطيب ج13، ترجمة معروف الكرخي