حلقته في مصر ومذهبه الجديد
خمس سنوات غيّرت وجه الفقه الإسلامي
📍 الفسطاط، مصر
قدم الشافعي مصر سنة 199هـ، فاستقرّ فيها خمس سنوات، عقد فيها حلقة عظيمة في جامع عمرو بن العاص، ووضع فيها مذهبه الجديد المعروف بـ«القول الجديد»، وألّف كتبه الكبرى كالأم والرسالة.
كان الشافعي قد وضع في العراق مذهبه القديم، فلما رحل إلى مصر سنة 199هـ، وجد بيئة جديدة، فيها أحاديث وآثار لم تكن بمتناوله في الحجاز ولا العراق. خاصة أن في مصر تلاميذ الليث بن سعد ـ إمام مصر العظيم ـ الذي كان حافظاً للسنّة، ولديه أحاديث وفقه أبعد ما يكون عن مدرسة الرأي. فاستفاد الشافعي من هذا، وراجع كثيراً من اجتهاداته، فولد ما يُسمّى بـ«المذهب الجديد». أقام الشافعي مجلسه في الجامع العتيق (جامع عمرو بن العاص بالفسطاط)، فكان يجلس بعد صلاة الفجر، فيقرأ عليه أهل القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا، وجلس له أهل الحديث، فإذا ارتفع الضحى قاموا، وجلس له أهل الفقه، فإذا انتصف النهار قاموا، وجلس له أهل اللغة والشعر والعروض، فيظلّ يدور بين هذه الحلقات إلى وقت الزوال. فجمع في حلقته كل العلوم. من أعظم ما أنتج في هذه الفترة: كتاب «الأمّ» الذي يجمع فقهه الجديد في كل أبواب الفقه. وكتاب «الرسالة» الذي وضع فيه قواعد علم أصول الفقه لأول مرة في تاريخ الإسلام، فعدّ مؤسّس هذا العلم بإجماع العلماء. وكتاب «اختلاف الحديث» الذي بحث فيه كيف تُجمع الأحاديث المتعارضة ظاهراً. وقد كتب الشافعي كتبه بنفسه، أو أملاها على تلاميذه كالربيع بن سليمان والمزني والبويطي. أحبّ الشافعي مصر حبّاً عظيماً، حتى قال فيها أبياتاً مشهورة: «لقد صار قلبي للحجاز ساكناً... وجسمي بمصرٍ في الديار غريبُ». ومات في مصر سنة 204هـ في رجب، عن أربع وخمسين سنة، فدُفن في القاهرة في موضعه المعروف اليوم. وكان موته خسارة عظيمة، حتى قال أحمد بن حنبل: «الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف أو منهما عوض؟». فجمع الشافعي بين الرحلات الطويلة، والحلقات الجامعة، والتأليف المؤسّس، فاستحقّ بحقّ أن يكون من أئمة الإسلام الأربعة الكبار.
- — مناقب الشافعي للبيهقي ج1-2، أخبار الشافعي بمصر
- — سير أعلام النبلاء للذهبي ج10، خاتمة ترجمة الشافعي
- — آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم كامل الكتاب